الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
238
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتفسير غيره ، فالشاة تسيّب للطواغيت ، وما ذكروه من ذبح ولدها أو ابنتها هو من فروع استحقاق تسييبها لتكون الآية شاملة لأحوالها كلّها . وعن ابن إسحاق : الوصيلة الشاة تتئم في خمسة أبطن عشرة إناث فما ولدت بعد ذلك فهو للذكور منهم دون النساء إلّا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله الرجال والنساء . وفي « صحيح البخاري » عن سعيد بن المسيّب : أنّ الوصيلة من الإبل إذا بكّرت الناقة في أول إنتاج الإبل بأنثى ثم تثنّي بعد بأنثى في آخر العام فكانوا يجعلونها لطواغيتهم . وهذا قاله سعيد من نفسه ولم يروه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ووقع في سياق البخاري إيهام اغترّ به بعض الشارحين ونبّه عليه في « فتح الباري » . وعلى الوجوه كلّها فالوصيلة فعيلة بمعنى فاعلة . والحامي هو فحل الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن فيمنع من أن يركب أو يحمل عليه ولا يمنع من مرعى ولا ماء . ويقولون : إنّه حمى ظهره ، أي كان سببا في حمايته ، فهو حام . قال ابن وهب عن مالك ، كانوا يجعلون عليه ريش الطواويس ويسيّبونه ، فالظاهر أنّه يكون بمنزلة السائبة لا يؤكل حتى يموت وينتفع بوبره للأصنام . وقوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ الاستدراك لرفع ما يتوهّمه المشركون من اعتقاد أنّها من شرع اللّه لتقادم العمل بها منذ قرون . والمراد بالذين كفروا هنا جميع المشركين فإنّهم يكذّبون في نسبة هذه الأشياء إلى شعائر اللّه لأنّهم جميعا يخبرون بما هو مخالف لما في الواقع . والكذب هو الخبر المخالف للواقع . والكفّار فريقان خاصّة وعامّة : فأمّا الخاصّة فهم الذين ابتدعوا هذه الضلالات لمقاصد مختلفة ونسبوها إلى اللّه ، وأشهر هؤلاء وأكذبهم هو عمرو بن عامر بن لحيّ - بضم اللام وفتح الحاء المهملة وياء مشدّدة - الخزاعي ، ففي الصحيح قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه - بضم القاف وسكون الصاد المهملة - أي أمعاءه في النار ، وكان أول من سيّب السوائب . ومنهم جنادة بن عوف « 1 » . وعن مالك أنّ منهم رجلا من بني مدلج هو أول من بحّر البحيرة وأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : رأيته مع عمرو في النار . رواه ابن العربي . وفي رواية أنّ عمرو بن لحي أول من بحّر البحيرة وسيّب
--> ( 1 ) هو جنادة بن أمية بن عوف من بني مالك بن كنانة وهم نسأة الشهور . وجنادة هذا أدركه الإسلام وهو القائم بالنسيء .